محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

4

كشف الأسرار النورانية القرآنية

فمنفعته عامة لعموم الاحتياج إليه ، وفائدته مطلوبة لترتب بقاء الأحكام عليه ، فلذلك كانت معرفته من أقرب الوسائل إلى الاعتراف بالخالق ذي الصفات العلية ، ولا شكّ أن لهذه الأجرام المشار إليها والآثار مؤثرا وهو الإله الموجد للعقول والنفوس والأجسام الفلكية والعنصرية . ( وكنت ) منذ زالت عني تمائم الطفولية ، ونيطت بي عمائم الرجولية ممن شغف بتعلم الطب ليالي وأياما وانهمك في دراسته على قدر الطاقة سنين وأعواما ، فنيطت بي خدمة العساكر البحرية في ثغر الإسكندرية المحمية ، وذلك إلى غاية سنة ست وخمسين ، ثم حدثت قواطع بين الدولة العلية والخديوية المصرية ، وكنت إذ ذاك ببر الشام ، فتشرفت بخدمة العساكر السلطانية نصرها رب البرية بجاه خير البرية إلى غاية ثمان وخمسين ، ثم أقمت بدمشق الشام معتنيا بمداواة أهلها الأماثل الأعلام إلى أن اجتمعت في محل حافل سنة تسعين ومائتين وألف ببعض الأطباء المسيحيين ، فشرعوا يتحادثون في كيفية تكون الأحجار الفحمية وفي أنها هل أشير إليها في التوراة والإنجيل أم لا ؟ فبعد الأسئلة والأجوبة والقيل والقال وإجراء البحث والجدال حكموا وعولوا على أنه لا يوجد لها ذكر فيهما أصلا ، لا صريحا ولا إشارة تؤخذ منهما وتفهم فهما ، ثم خصصوا بي المقال ووجهوا إلي السؤال بأنه هل أشير إليها في القرآن الشريف ، أم صرح بذكرها في ذلك الكتاب المنيف ؟ وإن لم يشر إليها فيه بشيء فكيف قال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : الآية 38 ] . وإن أشير إليها فيه ، ففي أي موضع أشير إليها ، وفي أي سورة نص عليها ؟ فتصدرت حينئذ للجواب ، وتلطفت في التفهيم والخطاب قدر طاقتي ووسعها ؛ لأن اللّه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وتتبعت كلام كثير من العلماء ، وتصفحت ألوفا من مسائل الفصحاء البلغاء ، وتفردت في طلبه من كتب التفسير والطب القاصية ، ووقفت على كلام كثير من العلماء بهمة عالية مع زيادة الاجتهاد والجد والحرص والتعب والكد ، واجتنيت ولله الحمد من رياضها ثمار أشجار الأقلام ، واستخرجت من بحار سطورها فرائد فوائد المفسرين الأعلام ، وازدادت همتي من بعد وقوفي على حقيقة تكون الحجر المشار إليه ، فبينت كيفية تكون الحيوانات والنباتات والأجرام السماوية والأرضية والجواهر المعدنية ، مقتصرا غالبا على القول المعتمد عليه ، وأبرزت ذلك في ثلاثة أبواب كأنها بساتين أزهار أو حدائق معارف تفجرت منها الأنهار ، وأرجو من اللّه الكريم المنان ذي الفضل والجود والإحسان أن تتلقاها الناس بالقبول ، وإن عدت في نفسها بالنسبة لتفسير الأفاضل من الفضول ، وكنت مع ذلك منوطا بخدمة العلماء الأعلام ؛ لكي أكتسب حل الأمور الصعاب ؛ لتدركها العقول والأفهام ، فحينئذ ركبت جياد الشوق قبل مطايا السوق ، وتشاورت مع أرباب المعارف وأهل الإشارات ، فانحط الرأي على أن من اللازم لما قصدته من بيان كيفية التكونات التي ذكرتها - تأليف كتاب يشتمل على شرح الآيات القرآنية